منتدى حلم الحياة
دروس -ثقافة -رومانسية_رياضة


منتدى تعليمي تثقيفي ترفيهي
 
الرئيسيةالبوابةس .و .جبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 الاقتصاد الإسلامي أسسه و أرضيته العقائدية و التشريعية.

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
زائر
زائر



مُساهمةموضوع: الاقتصاد الإسلامي أسسه و أرضيته العقائدية و التشريعية.   09/03/12, 04:00 pm

أن الإسلام صدق مع ما طرحه بشكل عام حينما عرض نفسه ديناً قيِّماً على الحياة فلم يغفل أيّ جانب من هذه الجوانب مطلقاً بل أشبعه أيّ إشباع ، فقد أكمل اللّه الدين وأتمّ النعمة ورضي الإسلام ديناً للبشرية إلى يوم القيامة .

• من الواضح أن أيّ نظام يُراد له أن يحقق أهدافه لابدّ أن يكون واقعيا فإذا أريد للنظام أن يطبقَ في حياةِ الإنسان وخصوصاً على المستوى الطويلِ المدى فلابدّ له أن يخدمَ أهدافَ الإنسان وينسجمَ مع مكوناتِهِ الفطرية .
ولا يتم ذلك إلاّ من خلال معرفة واضعِ هذا النظام بكل خصائص الإنسان الفردِ ، والإنسان المجتمع ، وعلاقاتهما مع بعضهما ، والعلاقات الحقيقية بينَهما وبينَ الطبيعةِ ، والمجرى التاريخي ، والحاجات الأساسية التي تتطلبها هذه العلاقة ، وأسلوب إشباع هذه الحاجات لتحقيق سير إنساني تكاملي على خط تحقيق هدف الخلقة الإنسانية .

أضف إلى كل هذا أن الإشباع المذكورَ للحاجات يجب أن يتمّ بطريقة متوازنة لا تُخل بالحاجات الأخرى التي تشبعها نظم أخرى بل يلحظ جانب التوازن الحكيم ويدرس موقع ذلك النظام من كل النظم الأخرى التي تشكّل جميعاً أجزاء للنظام الحياتي العام .
فإذا افترضنا تحقق هذا القدر المطلوب في واضع النظام ، انتقلنا إلى مرحلة تالية في مجال تحقيق (الواقعية) المطلوبة ، وهي قدرة هذا النظام على تحقيق الأرضية المساعدة له ، ونعني بها مدى ضمان انسجامه مع ما يعتقده المجتمع (موضوع التطبيق) ، ومدى انسجام هذا المعتقد مع القيم العاطفية المطروحة فيه وبالتالي مدى ضمان التربية المطلوبة لتحقيق انقياد اجتماعي لتلك الرؤى العقائدية وهذه القيم العاطفية .
وإلاّ فمهما كان النظام واقعياً ودقيقاً وحكيماً في عملية فهم الواقع ، وتفهم حاجاته والدقة في إشباعها ، فإنه سيبقى عاجزاً لو لم تسبقه حركةٌ عقائدية تُعطي المجتمع أسس المواقف التي يجب أن يتخذها من الوجود ، والحياة ، والإنسان نفسه ، فتحقق له (عنصر الإيمان) وتنجيه من أهم الأمراض الحضارية وهي : مرضُ الإلحاد أي عدم الإيمان ، ومرض الشرك وهو الإيمان المفرط بالإلهة الكاذبة ، ومرض الشك وهي حالة تضاهي هذه الحالات القاتلة وما لم يتحقق ذلك فلن نضمن تكوّن العنصر الأول لأرضية تطبيق النظام وكذلك مالم تكن الدوافع العاطفية التي تركزها التربية منسجمةً تمام الانسجام مع البناء العقائدي ومتوائمةً معه ، فإننا لن نضمن التوازن في الشخصية إذا كانت هناك فجوة كبيرة بين ما يعتقده الإنسان ، وما يملا فراغه العاطفي من قيم ودوافع داخلية وخارجية ، بل ما لم تكن تلك الدوافع والعناصر العاطفية قويةً مؤكدةً ، فإنها لن تستطيع أن تصوغ السلوك وتصنع العمل الإنساني .

إذن نحن بحاجة إلى الأمرين التاليين في كل نظام يراد له أن يحقق أهدافه الإنسانية :
أولاً : ملاحظة الواضع لكل الواقع الإنساني ، وكل العلاقات والحاجات وإشباعها إشباعاً متوازناً مع باقي النظم .
ثانياً : تهيئة الأرضية المناسبة للتطبيق ، التي يمكن خلقها بتوفير عنصرين :
أ ـ العقيدة .
ب ـ الدوافع العاطفية المنسجمة .

ونستطيع أن نعتبر أيضاً أن الواقعية تتطلب أمرين أساسيين في هذا السياق ، وهما :
الأول : احتواء النظام على ضمانات قانونية تُلزم كل أولئك الخارجين على الطبيعة الإنسانية المنسجمة ، أو تلك القلة من الذين لم يختاروا الإيمان التام أو الالتزام التام بمقتضيات الإيمان .
الثاني : امتلاكه المرونة التامة لاستيعاب المتغيرات الزمانية والمكانية في الحياة الإنسانية ، ووضع حلول ثابتة للعناصر الثابتة في حياة الإنسان ، وأخرى مرنة لاستيعاب العناصر المتغيرة فيها .
والذي نعتقده أن الإسلام صدق مع ما طرحه بشكل عام حينما عرض نفسه ديناً قيِّماً على الحياة فلم يغفل أيّ جانب من هذه الجوانب مطلقاً بل أشبعه أيّ إشباع ، فقد أكمل اللّه الدين وأتمّ النعمة ورضي الإسلام ديناً للبشرية إلى يوم القيامة .
فهو يعلن أن الشريعة الإسلامية كلّها واقعية فطرية ، وأنها الحق الثابت ، وأنها تستهدف خدمة الإنسان وتحقيق هدف خلقته فهي تأمر بكل ما هو مطلوبٌ وتنهى عن كل ما هو مرفوضٌ للطبع .
يقول تعالى : ﴿ فأقم وجهكَ للدينِ حنيفاً فطرةَ اللّهِ التي فَطرَ النّاسَ عليها لا تَبديلَ لِخلقِ اللّه ذلكَ الدين القيّم ولكنّ أكثَرَ النّاسِ لا يعلمون ﴾ [1].
ويقول : ﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ﴾ [2] .
ويقول : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ [3] .
ويقول تعالى : ﴿ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ۚ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ ۙ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [4].
أما مستند هذه المقولة فهي الأدلة التي تثبتُ انتسابها ـ أي الشريعة ـ إلى الخالق العظيم كما تثبتُ لهذا الخالق كلَّ صفاتِ العلم بكل الحقائق ، والقدرة الكاملة المطلقة على صياغة الشريعة المحيية ، واللطف الكامل بالعباد وغير ذلك مما لا يمكن تصوره في ما سواه تعالى .
ولسنا بصدد الاستدلال على ذلك ، وإنما نشيرُ إلى تأكيد القرآن الكريم على هذه الحقيقة في كلِّ موضع يشير إلى لطف اللّه وخبرته .
﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ ۖ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ﴾ [5] .
﴿ قُلْ كَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ۚ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ ۖ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِهِ ۖ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا ۖ مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا ﴾ [6] .
ولا يتم ذلك إلاّ من خلال معرفة واضعِ هذا النظام بكل خصائص الإنسان الفردِ ، والإنسان المجتمع ، وعلاقاتهما مع بعضهما ، والعلاقات الحقيقية بينَهما وبينَ الطبيعةِ ، والمجرى التاريخي ، والحاجات الأساسية التي تتطلبها هذه العلاقة ، وأسلوب إشباع هذه الحاجات لتحقيق سير إنساني تكاملي على خط تحقيق هدف الخلقة الإنسانية .

بعد هذه المقدمة نحاول استعراض بعض النقاط في صُلب البحث تدورُ حول المواضيعِ التالية :
1- المعالم الرئيسة للاقتصاد الإسلامي ، وفطرية هذه المعالم وتأكيد الإسلام على ذلك .
2- الأرضية المناسبة التي يوجدُها الإسلام لنظامه الاقتصادي .
3- العلاقة التي تقوم بين هذا النظام وباقي النظم .
4- مرونة النظام الاقتصادي الإسلامي .

لنخلص بعد ذلك إلى ذكر بعض النتائج من هذا البحث :

1- المعالم الرئيسة للاقتصاد الإسلامي

إذا لاحظنا الاقتصاد الإسلامي ، باعتباره طريقة يرتضيها الإسلام للسلوك الفردي والاجتماعي في المجال الاقتصادي ، واستقرأنا الأحكام التي قررها الإسلام في هذا المجال ، استطعنا القول : إن أهم خاصية ملحوظة فيه هي (العدالة الاجتماعية) وهو بهذا يتقارب مع كل النظم الأخرى التي تدّعي خدمة الإنسان وتحقيق طموحاته الاجتماعية ، إلاّ أنه يختلف عنها في تفصيلات تصوراته عن هذه العدالة .


فالعدالة لا يمكن تحقيقها إلاّ إذا تحققت الأمور التالية :
أولاً : الإيمان بالملكية الفردية والملكية الاجتماعية على حدٍّ سواء ومتكامل، بحيث تعمل الملكية الفردية على إشباع الحاجة الطبيعية للإنسان لامتلاك نتيجة عمله والحصول على ثمرات كسبه ، كما تستهدف الملكية العامة ضمان أن يكون العمل الاجتماعي ذا نتاج اجتماعي ، ليمكن من خلال ذلك سدّ الفراغات والحاجات الاجتماعية .


ثانيا : الإيمان بالحرية الاقتصادية الفردية مبدأً عاماً وأصلاً واسعاً تنتجه طبيعة التملك ... مع الإيمان بوجود بعض الحدود التي تقف عندها هذه الحرية وذلك إما لضمان مصلحة الفرد نفسه ، كما في الأشياء التي حُرِّم استعمالها لكونها مضرةً بالفرد مادياً أو معنوياً أو لضمان حقوق الآخرين وحرياتهم وهو ضمانٌ طبيعي أيضاً تعترف به كلّ المذاهب والاتجاهات الإنسانية .


ثالثاً : الإيمان بمبدأ التكافل الاجتماعي ويتلخص هذا المعلم بأن الإسلام يكفل لكل فرد في المجتمع الإسلامي حدَّ (الغنى) ، أي حدّ سدّ حاجاته الطبيعية وهو في اعتباره حد أدنى تُكلّف الدولةُ بتوفيره لجميع الأفراد فلا يجوز مطلقاً أن يبقى محتاج واحد في المجتمع الإسلامي . أما كيف يتم توفير القدرة الاقتصادية للمجتمع على تحقيق ذلك فيمكن أن تذكر هنا أمور :
منها : مسألة تكليف الأفراد للقيام بمسؤولياتهم وواجباتهم في سد حاجات الآخرين (الضرورية منها) ويمكن للدولة هنا أن تلزم الأفراد بالقيام بهذه الواجبات ، باعتبار أنّ إحدى مهام الدولة الإسلامية هي ( إلزام الأفراد بالقيام بواجباتهم حتى الفردية منها ) .
ومنها : الصلاحية القانونية التي يملكها وليّ الأمر في سد منطقة المباحات من خلال سن قوانين توفر القدرة المطلوبة للدولة .
ومنها : الأموال العامة أو الأنفال التي قررها التشريع الإسلامي ملكيةً عامة تشرف عليها الدولة ، وتصرفها لتحقيق الهدف المذكور .
ومنها : العقوبات المالية ، والسبل التي وضعها الإسلام لنقل الملكيات الفردية إلى الملك العام كما في مسألة الموقوفات أو الأراضي التي بادَ أهلها ، أو الأموات الذين لا وارث لهم وأمثال ذلك .
ومنها : طبيعة التشريع الإسلامي ـ كما يعبر الشهيد الصدر(رحمه الله) ـ التي تستهدف تقوية البنية الاجتماعية لتحقيق هذا التكافل .


رابعاً : الإيمان بمبدأ التوازن الاجتماعي ونفي الحالة الطبقية في المجتمع الإسلامي فقد رأينا في الأمر الثالث أن الحدّ الأدنى المطلوب هو توفير الغنى لكل الأفراد ، أما الحد الأعلى فيمكن تصوره بملاحظة الأمور التالية :
1 ـ تحريم التبذير والإسراف في كل المجالات ، فلا يمكن ـ إذن ـ للفرد في سلوكه الاجتماعي والاقتصادي أن يتعدى إلى خط الإسراف .
2 ـ تحريم أي عمل يؤدي إلى إهدار الأموال الخاصة ، واللهو والمجون .
3 ـ نفي أية امتيازات اجتماعية أو اقتصادية تميز بين فئة من الناس وأخرى مما يؤدي لنفي أية أرضية لقيام النظام الطبقي .
وإذا عدنا واستقرأنا كلَّ هذه المعالم وعرضناها على الفطرة والوجدان الإنساني ، وجدناها مبادئ يمكن التسليم بها تسليماً طبيعياً ، وهذا ما يفسر عودة كلا النظامين المتطرفين الرأسمالي والاشتراكي إلى الحالة الوسط ، بعد اصطدامهما بعوامل فطرية معارضة ـ كما نعتقد ـ .
وكون هذه الاتجاهات طبيعية تؤكدها النصوص التشريعية والمفاهيمية العامة تأكيداً بارزاً . ونحن هنا نشير إلى بعضها وهي كثيرة ، فهناك نصوص تؤكد فطرية الملكية الفردية والملكية العامة .
يقول تعالى : (وأن ليس للإنسان إلاّ ما سعى) وذلك إذا فسرناها بما يشمل الملكية الدنيوية .
ويقول أمير المؤمنين : « إن هذا المال ليس لي ولا لك ، وإنما هو فيء للمسلمين وجلب أسيافهم فإن شركتهم في حربهم كان لك مثل حظهم وإلاّ فجناةُ أيديهم لا تكون لغير أفواههم » [7] .
وهناك نصوص تؤكد الحرية الاقتصادية بشكل طبيعي وأوضحها ما شكّلَ قاعدةً يعتمد عليها الفقهاء عموماً وهي قاعدة (الناس مسلطون على أموالهم) وبطبيعة الحال فان هناك حدوداً لهذه الحرية تذكرها نصوصٌ أخرى ، ولكنها تؤكد على أن التحديد إنما هو لصالح الفرد والمجتمع .
وهناك نصوص تؤكد فطرية التكافل والتعاون ، بل تعتبر أيّ تهاون في هذا المبدأ تكذيباً للدين عموماً . يقول تعالى : (أرأيت الذي يكذّب بالدين * فذلك الذي يدعّ اليتيم * ولا يحضّ على طعام المسكين) [8] .
وهناك بالتالي نصوص تؤكد ضرورة تحقيق التوازن في المجتمع ، من خلال تأكيدها على نفي الإسراف وكذلك على لزوم نفي الفقر وتحقيق (الغنى) لكل فرد .
يقول وهو يتحدث عن واجبات ولي الأمر تجاه الفقير» : يُعطيه من الزكاة حتى يغنيه « .

2- الأرضية المناسبة التي يوجدها الإسلام لنظامه الاقتصادي

يجد الباحث أمامه ـ في هذا الصدد ـ ثروةً هائلة من النصوص الشريفة ، التي تؤكد مفاهيم متنوعة وأحكام كثيرة وسنن تاريخية ثابتة ، وكلها تخدم قضية الاقتصاد الإسلامي وتساهم طبيعياً في تحقيق أهدافه المنشودة ونحن نشير هنا إلى جملة من هذه الأمور مؤكدين على أننا لم نستوعب القسم الأكبر منها :

أ ـ الملكية الحقيقية للّه تعالى

وهي أهم الحقائق التي تصوغ التصور الإنساني ، كما تترك أثرها البالغ على السلوك الاقتصادي للفرد المسلم ، فالملك للّه الواحد القهار ، وهو تعالى منح ملكيةً اعتباريةً قانونيةً للإنسان كي يقسّم الوظائف فيما بين أفراده ويقوم بإعمال هذه الملكية وفق ما أراده اللّه من مقاصد لصالح البشرية . وهذا المعنى له أثره الكبير في نفي النتائج السلبية التي تترتب على الملكية بصيغتها الرأسمالية المطلقة .

ب ـ الهدف هو أعمار الأرض من خلال مسيرة ومسؤولية إنسانية


مشتركة : هكذا يعتقد الإنسان أن المسيرة الإنسانية منذ البدء حتى الختام واحدة والهدف الكبير هو تعبيد الإنسانية للّه وصياغة المجتمع العابد والتهيئة لذلك بأعمار الأرض والاستفادة الكبرى منها لصالح مجموع المسيرة والقيام بحقوق المسؤولية المشتركة ... وأيّ تخلف عن ذلك يعني التخلف عن الهدف .

ج ـ مفاهيم خلقية في خدمة القضية الاقتصادية

والنصوص الإسلامية حافلة ببرنامج خلقي رفيع يصبّ في مصب خدمة هذا النظام الاقتصادي وتحقيق أهدافه ، وذلك في أكثر الروايات التي تربي في الإنسان روح التعاون ، وروح الإحساس بالمسؤولية ، وروح الأخوة الإسلامية ، ومعنى الإيثار والتضحية والزهد ، والإحساس بآلام الآخرين وآمالهم وتنفي عنه صفات البخل والطمع والاستئثار والتعدي على حقوق الآخرين والنفعية والحرص والحسد .
وقد عدّ الإمام الصادق كما في بعض الروايات كلّ الصفات الحسنة من جنود العقل ، وكلّ الصفات الرذيلة من صفات الجهل ، ولا نستطيع هنا أن نسرد كلّ ما ورد أو نتعرض لكل التفاصيل التربوية وإنما نشير بالخصوص إلى أن النظام الأخلاقي والتربوي الإسلامي يربي في الإنسان روح التبرّع ، قبل أن يؤكد له على الحرية الاقتصادية وإمكان التمتع بها في مصالحه الخاصة ، وقصةُ قارون معروفةٌ حيث تركز هذا المبدأ الأخلاقي ( وابتغِ فيما آتاكَ اللّه الدارَ الآخرة ولا تنس نصيبَكَ مِن الدنيا ) [9] .
هذه القصة وهذا المبدأ هو شعارٌ إسلامي واسع الأبعاد ، فإذا سادَ في المجتمع وفّر أعظم أرضية لتطبيق النظام الاقتصادي المطلوب .

د ـ الإنفاق المستحب والحياة الممتدة

ويتجلّى هنا جانب رائع لحل مشكلة التناقض بين الدوافع الذاتية لحب الذات الشخصية ، والدوافع ذاتها لخدمة المجتمع فينطلق الإنسان من مبدأ امتداد حياته الذاتية إلى مستوى الخلود في الآخرة ، ليرى أن المصالح الذاتية والاجتماعية قد توحدت مما يدفعه للإنفاق المستمر الذي لا تنضب دوافعه ولا ينتهي أثره ، بمقتضى « مَن سنّ سُنّةً حسنةً فله أجرُها وأجرُ من عمِل بها...» .
وهنا نذكّر بكل تأكيد بالأثر الممتد للوقف ، حيث تأتي هذه الدوافع لتنقل الملكية الخاصة إلى الملكية العامة ، وتحقق تصرف الإنسان بمالِه تصرفاً دائماً .

هـ ـ شكر النعمة يعني الاستفادة الأفضل من الثروة وعدم إهدارها

فالمشكلة المهمة على الصعيد الاقتصادي العالمي لا تكمن في ضعف معدلات النمو في الموارد الطبيعية ، وقصورها عن مواكبة معدلات النمو الإنساني وإنما تكمن في عدم الاستفادة الفضلى من الموارد الطبيعية أو كفران النعمة ـ كما تعبّر النصوص ـ ، وإهدار الثروة الطبيعية المعدنية والحيوانية وغيرها (وآتاكم مِنْ كلّ ما سألْتُموهُ وإن تعدّوا نعمةَ اللّه لا تُحصوها إنّ الإنسان لظلومٌ كفارٌ...) [10] .
ومن شكر النعمة الاستفادة الأفضل من قدرة العمل وعدم إهدارها ولذلك تؤكد النصوص على العمل المستمر ، بل توجبه على القادرين .

و ـ العلاقة بين المعنويات والماديات على المستوى الحضاري

: وهذه حقيقةٌ حضارية رائعةٌ لا يفهمها إلاّ المؤمنون بالغيب وعوالمه فالقرآن الكريم يؤكد أن الظلم يؤدي إلى الهلاك (فبظُلْمِهم أهْلَكْناهُمْ) وأن العدل والدعاء والشكر تؤدي طبيعياً إلى الرخاء ﴿ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا ﴾ [11] وهذه الحقيقة تبعث الأمل الكبير في النفوس بالمستقبل حتى المستقبل المادي ، وتفتح السبيل أمام نهضة اجتماعية واقتصادية . إلى غير ذلك من العناصر المهمة لهذه الأرضية .

3- العلاقة القوية بين النظام وباقي النُّظم

الملاحظ في كلّ النظم التي يطرحها الاسلام أنها مقدَّمة ضمن تخطيط جامع لمجمل الحياة ، ولذا نجدها مترابطة ترابطاً وثيقاً ، بحيث لا يمكن لاي منها تحقيق غرضه المنشود دون تطبيق النظم الاخرى . (وبالطبع نحن لا ندعي هنا توقف التكليف بالنظام على القيام بباقي النظم ، وإنما أكدنا على موضوع تحقيق النظام لكل أهدافه المنشودة) .
وللتأكد من ذلك نلاحظ ما يلي :

أ ـ وضعتْ في النظم الاجتماعية مناطق ومساحات يملؤها ولي الأمر (أو من يعينه كالقاضي) بمقتضى اجتهاده وتشخيصه لنوعية الظروف القائمة ومصلحة الأمة ، وهذا ما نلاحظه مثلاً في النظام الاقتصادي والنظام الحقوقي والجزائي ، ونظم الوقف والمعاملات والإرث وغيرها ، مما يعني الارتباط الكامل بين هذه النظم والنظام السياسي الحاكم .
ب ـ يرتبط النظام الاقتصادي بنظام العبادات ارتباطاً وثيقاً ، وهو ما قد يعبر عنه بتقارن الصلاة والزكاة في عشرات الموارد القرآنية بل إن الزكاة والخمس عبادتان ماليتان ، والكفارات المالية في الواقع هي مساهمة اقتصادية ضخمة من نظام العبادات في خدمة الصالح الاقتصادي العام ، ولا ننسى أن العبادات توفر عناصر الأرضية الاقتصادية التي أشرنا إليها إشارة جلية ، كما في عملية الصوم والحج ، وهناك عبادات تساهم بقوة في خدمة الملكية العامة ، كما في الوقف إذا اشترطنا فيه نية القربة .
ج ـ وللنظام الاقتصادي وأهدافه ومعالمه ـ بطبيعة الحال ـ علاقة وثيقة بنظام المعاملات ، الذي صُمّم تصميماً يهيّئ الجوّ المناسب لتحقيق عناصر التكافل والتوازن والملكية المزدوجة ، ويؤكد على عنصر العمل ويمنع الربا وأكل المال بالباطل والحرام واللهو ، وإهدار الثروة .
د ـ وهناك ارتباط كامل بين النظام الاقتصادي ونظام الجهاد في الإسلام بما يحمله هذا النظام من مبررات ومن أساليب جهادية ، ومن نتائج في الملكية والغنائم وما إلى ذلك .
هـ ـ ولا ريب في علاقة النظام الاقتصادي بالنظام الاجتماعي الشامل لنوعية تشكيل الخلية الأصلية للمجتمع وهي العائلة ، وكذلك العلاقات الاجتماعية بين العوائل ، وعلاقات الفرد بالمجتمع التي تحكمها قواعد إسلامية اجتماعية ومنها قاعدتا التكافل والتوازن اللتان تشكلان أهم مَعلمين في الاقتصاد كما ذكرنا ذلك مراراً . وتدخل هنا أحكام المهور والنفقات وأنماط تقسيم الوظائف الاجتماعية ، ومسائل الإرث والوصايا وأحكام الأولاد ومسائل القضاء والتعزيرات المالية ، و العقوبات المالية الأخرى وغير ذلك مما لا يسع المجال للحديث عنه .
و ـ وقد ذكر الشهيد آية الله الصدر(قدس سره) - عند تعرضه لهذه العلاقات - أنماطاً أخرى منها ، من قبيل العلاقة بين المذهب الاقتصادي والسياسة المالية للدولة ، وهي في الواقع جزء من تخطيط الدولة لتنفيذ أحكام الاقتصاد الإسلامي ، فهي إذن جزءٌ من الاقتصاد نفسه .
ز ـ وقد اشرنا من قبلُ إلى العلاقة الوثيقة بين هذا النظام والنظام الأخلاقي ، إلى الحدّ الذي يجعل هذا الأخير أحد الممهدات الرئيسية والعنصر الدافع للأمة لتطبيق النظام الاقتصادي ، وتحقيق أهدافه إلى حد قد يتعذر الفصل فيه بين النظامين .

ملاحظة هامة

وهنا نودّ أن نشير - استطراداً - إلى أن الإسلام قام بدراسة مجمل الحياة ، ووضع لها النظام الأصلح الذي يهديها إلى الهدف بأسلوب مدروس ، وعلى أسس من العدالة والإنصاف ، في حين نجد العالم الوضعي اليوم مازال يتخبط في نوعية النظام المطلوب لحفظ الكرامة الإنسانية ، وتوزيع المسؤوليات وإقامة الحقوق ، ولذلك تتهاوى النظم الاجتماعية واحداً تلو آخر وتعلن فشلها ; ويبقى الإسلام ديناً قيماً لا عِوجَ فيه .
ومثالاً على هذا الأمر نركز على شعار يرفعه العالم الوضعي من خلال إعطائه صبغة دولية واسعة تحولت في الآونة الأخيرة إلى موجة عاطفية كاسحة وهي شعار المساواة بين المرأة والرجل في كلّ الأحوال وكلّ الحقوق وكلّ الموارد وكلّ الأزمنة والأمكنة ودون استثناء مهما كان ، وهو ما وجدناه أخيرا مكرراً عشرات المرات في الوثائق المقدمة في مؤتمرات مكسيكو ستي وبخارست والقاهرة ، ووجدناه أخيراً قوياً وواضحاً في مؤتمر بكين الأخير حول المرأة ، بل رأينا سند بكين يركز على مسألة (الإرث) بالخصوص وضرورة المساواة المادية الكاملة وكذلك القضاء وما يسميه بالحقوق الجنسية الحرة لجميع الأعمار وما إلى ذلك .
وهذه كما نعتقد دعوة عمياء وإن كان لها مظهر جذاب ذلك أن المساواة من الأصول التي يستحسنها الذوق الإنساني ، لفردين متساويين حقاً من حيث الكرامة الإنسانية والانتماء الإنساني ، وهما المرأة والرجل ، ولكنها لا يمكن أن تشكل مبدأً عاماً لا يمكن الاستثناء منه ، وذلك بملاحظة الفروق الطبيعية بين التركيبة البدنية والعاطفية لكلّ منهما ، ونوع الوظيفة الاجتماعية التي يقوم كلّ منهما بها ، ومدى مساهمة الرجل والمرأة في عملية البناء الاجتماعي بما يحقق العدالة الاجتماعية المطلوبة . فلا يمكننا والحالة هذه أن نرفع شعار المساواة الكمية دون أن نلحظ التوازن المطلوب وإلاّ وقعنا في الظلم وعدم الإنصاف وعندما يتعارض مبدأ المساواة ومبدأ العدالة الاجتماعية فمن الذي يُقدَّم ؟ لا ريب أن مبدأ العدالة هو المبدأ الذي يشهد الوجدان بإطلاقه وعدم قبوله للاستثناء فهو إذن يقيد مبدأ المساواة بل هو الذي يمنح المساواة شكلها المطلوب اجتماعياً .
وإننا لنأسف أشدّ الأسف لهذه الموجة الدولية الكاسحة العمياء التي تُطرح دون رؤية حتى إنها تعترض على نظام الإرث الإسلامي متناسية أنه جزءٌ من كلّ وأن هناك توازناً رائعاً بين هذا النظام ونظام النفقة وواجبات كلّ من الرجل والمرأة في الحياة الاجتماعية .

مرونة النظام الاقتصادي الإسلامي :

وهذا الموضوع إنما يرتبط بخاصية المرونة في مجمل التشريع الإسلامي ، ولكننا سنعرضه من الزاوية الاقتصادية .
ومجمل الأمر فيه أن الإسلام عبأ هذا النظام بكلّ العناصر اللازمة التي تجعله قادراً على استيعاب المتغيرات الحيوية وهي في المجال الاقتصادي كثيرة وسريعةٌ لأنه مجال يرتبط بتعقيدات الحياة الاجتماعية للإنسان كما يرتبط بقدرة الطبيعة على العطاء ، والظروف البيئية المناسبة وغير ذلك ; ففرق كبير في مجال توزيع الأرض ومالكيتها بين حالة الوفرة الكاملة للمساحة الأرضية ، والقدرة اليدوية الناقصة للإنسان ، وحالة القلّة والضيق المتزايد نتيجةً لمعدلات النمو البشري من جهة ، والقدرة التكنيكية الهائلة للإنسان على استصلاح الأرض . وهذا الفرق يمكنه أن يترك أثره على مسألة (الحيازة) المطروحة عاملاً للملكية ومسألة التنمية الاجتماعية ، ومسألة ملكية المعادن ومسألة الملكية العمودية للأرض عمقاً وارتفاعاً ، ومسألة ملكية الطاقة وغير ذلك من المسائل المهمة . بل ربما ترك أثره في مسألة تغيير نوع وآثار العلاقة الملكية بحيث نجد بعض المجتهدين ينأون عن مسألة الملكية المطلقة للأرض ، إلى موضوع (حق الاختصاص) الناشئ من الأثر الذي صنعه الإنسان فيها فإذا زال الأثر زال الحق وعادت مشاعةً ومباحةً تتصرف فيها الدولة الإسلامية حسب المصلحة العامة .
ومن هنا نجد أن وجود عنصر الاجتهاد وفتحه مستمراً يمثل عنصراً من عناصر المرونة لا يمكن الاستغناء عنه ، لمعرفة أثر التطورات على نوعية الحكم المستنبط من النصوص .
على أن الإسلام طرح بعض القواعد الاقتصادية الواسعة وربطها بالمفهوم العرفي السائد ، فمفاهيم من قبيل (الإسراف والتبذير) و(الفقر والغنى) و(النفقة المتعارفة) و(المنفعة المحللة) والحاجات الضرورية : (الماعون ) مثلاً و(الربا) و(المثلية والقيمية) و(الرواج والكساد في العملات النقدية) و(الضمان) و(الضرر الفردي والاجتماعي) و(الحرج) و(الضرورة) و(المصلحة العليا) و(الأسبقية في الوقف) و (العقدية) و (البيعية) و (التجارة عن تراض) و(القمارية) و(اللهو) حتى (العدالة والظلم والتعدي وأكل المال بالباطل) ، كل تلك يتدخل العرف في تغييرها في كثير من الأحيان لتغيّر الظروف ، ومن ثمّ يتغير الحكم بتغير النظرة العرفية للموضوع كما شهدنا ذلك في مسألة الشطرنج مثلاً .

ولكن أهم عنصر يركز عليه النظام الإسلامي هو عنصر تدخل ولي الأمر المجتهد العادل في الحياة الاقتصادية .
وهذا التدخل له ضوابطه وقواعده وله أيضاً ما يسميه الشهيد الصدر (قدس سره) بالاضوية الكاشفة التي توضح اتجاهات الإسلام وتعطيه (روح النظام) وأهدافه المنظورة [12] ، وعليه هو أن يستفيد من قدرته الاجتماعية والتزامه الأصيل بالإسلام والمصلحة الإسلامية للأمة وبالتشاور مع أهل الخبرة والاختصاص يقوم بوظائفه ، وأهمها ما يلي :
1- ملاحظة أفضل السبل وخير الإجراءات التنفيذية لتطبيق أحكام اللّه الثابتة من قبيل دراسة أفضل سبيل لنفي الربا من المجتمع مع الاحتفاظ بالأنشطة الايجابية التي تقوم بها البنوك .
2- مَلْء منطقة المباحات بالقوانين التي تحقق المصلحة الإسلامية العليا مع الاحتفاظ ما أمكن بالحكم الأولي للموارد المتنوعة .
3- ملاحظة مدى انسجام الظروف مع إمكان تطبيق الأحكام والأنظمة الإسلامية فإذا ما رأى الفقيه أن عدم الانسجام يصل إلى حدٍّ يسميه علماء الأصول التزاحم أي التزاحم بين وجوب إجراء الحكم وحرمة ترتب المفاسد المنظورة كان عليه أن يوفر أفضل حلٍّ ممكن بحيث يتم تطبيق الحكم مع تلافي النتائج السيئة . فإذا لم يمكن ذلك انتقل إلى باب الترجيح بالأهمية وهو باب واسع يتبعُ رأي المتخصصين واجتهاد المجتهدين ; وربما تصل الحالة إلى تعطيل إجراء حكم ما لرجحان أهمية دفع المفسدة التي تترتب على تنفيذه . وهو باب دقيق وحساس لا يُلجأ إليه إلاّ في الحالات النادرة .
وهذا من قبيل مسألة التدرج في إعطاء حكم الربا ، أو حكم الخمر في صدر الإسلام أو ما نلاحظه من التدرج في تنفيذ بعض أحكام الربا في العصر الحاضر أو منع الحج لترتب مفاسد كبرى عليه .

بعض النتائج

من خلال ما تقدم يمكننا أن نستخلص بعض النتائج العملية وأهمها ما يلي :
أولاً : أنه كثيراً ما نشاهد أو نسمع من يطرح فكرة الالتقاء بين العقيدة والنظام فيحاول طرح نظام اقتصادي اشتراكي أو رأسمالي في بيئة إسلامية أو يعمل للاستفادة من نظم إسلامية وتطبيقها في بنيات اجتماعية علمانية فإذا ما وجد النتائج غير مرضية أنحى باللائمة على النظام نفسه دون أن يلتفت إلى عدم الانسجام بين هذا النظام وأرضية التطبيق وربما أمكن التمثيل لما قلناه بتجربتين :
الأولى : تجربة تطبيق بعض النظم الاشتراكية في عالمنا الإسلامي وفشلها الذريع كما في الجزائر - في عهد الرئيس بومدين - وليبيا .
والثانية : تجربة صناديق القرض الحسن في ظل أنظمة علمانية حيث ابتليت بنتائج غير مرضية مما دفع البعض لمهاجمتها واصفاً إياها بالنشاز دون الالتفات إلى عدم توفر الظروف الملائمة لها .
ثانياً : أننا في مجتمعنا الإسلامي إذا أردنا أن نصل إلى النتائج المرضية ، فعلينا أن نهيّئ الأرضية المناسبة فنعمقَ الاعتقاد باللّه ونوسّع من الخلق الإسلامي الرفيع ، ونوضح المفاهيم الإسلامية المرتبطة بالجانب الاقتصادي ، ونثقف الجماهير بها ونعمل لتحريك الأحاسيس والعواطف وصبغها بالصبغة الإسلامية المطلوبة . وما لم نفعلْ ذلك يجب أن لا نتوقع النتائج المطلوبة .
ومن هنا أشير إلى أساليب الإعلانات التي تقوم بها البنوك اذ تركز على الأرباح التي تدرّها الأموال المودعة من صناديق القرض الحسن ، وعلى الجوائز التي يمكن أن تعود بها على المودعين دون أن تركز على الثواب العظيم الذي ينتظرهم حين يساهمون في إنعاش الاقتصاد العام ، وخدمة المجتمع من خلال المساهمات والاعتبارات المصرفية ودون ذكر الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة الداعية لذلك .
ثالثاً : نقترح أن تشكل البنوك الإسلامية أو البنك المركزي لجنة فقهية من كبار العلماء ، بل يقوم المجتهدون في الحوزات العلمية بدراسة مدى صلاحية الأنظمة الاقتصادية والمالية والبنكية المقترحة من وجهة النظر الفقهية ، وإبداء النظر دائماً في الصيغ الجديدة .
وذلك من قبيل بيع السلم والسلم المماثل ، وبيع الاستصناع ، وعقود التوريد ، وعقود المرابحة وأمثال ذلك مما يمنح البنك قدرة أكبر على التحرك الاقتصادي وهذا ما حاوله المرحوم الشهيد الصدر من قبل ربع قرن في أطروحته المعروفة البنك اللاربوي وما حاولته لائحة منع الربا في الجمهورية الإسلامية .
إن الاجتهاد منبعُ خير والقواعد الاسلامية منابع فياضة يمكنها أن تعينَنا بلا ريب على الاحتفاظ بالصبغة والروح الاسلاميتين ، والتغلب على مصاعب تطورات الحياة العصرية .

-------------------------------------------------------
[1] الروم : 30 .
[2] يونس : 108 .
[3] الانفال : 24 .
[4] الاعراف : 175 .
[5] الملك : 14 ـ 15.
[6] الاسراء : 96 ـ 97.
[7] نهج البلاغة: 232.
[8] الماعون : 1 ـ 3 .
[9] القصص : 77 .
[10] ابراهيم : 34 .
[11] نوح : 10 ـ 12 .
[12] وهي من قبيل تأكيد القرآن على القيام بما يجعل متداولاً بين الأغنياء فقط ، وكذلك تأكيده على ضرورة منع التلاعب بالمال الذي جعله اللّه قواماً للمجتمع ، وتأكيد بعض النصوص على أن هدف التجارة هو جلب المنافع وأمثال ذلك .


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
الاقتصاد الإسلامي أسسه و أرضيته العقائدية و التشريعية.
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى حلم الحياة :: ®§][©][القسم الإسلامـــــي ][©][§® :: منتدى التشريع الاسلامي-
انتقل الى: